ابن إياس
84
نزهة الامم في العجائب والحكم
وقال ابن عبد الحكم : ولما فتح عمر بن العاص مصر أتى أهلها إلي عمرو ، حين دخل بؤونة من أشهر القبط ، فقالوا له : أيها الأمير أن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها . فقال لهم وما ذاك . قالوا : إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر ، عمدنا إلى جارية بكر [ من أبويها ] « 1 » وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في النيل . فقال لهم عمرو : أن هذا لا يكون في الإسلام ، وأن الإسلام يهدم ما قبله ، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسري لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء ، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك فكتب إليه عمر ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك بطاقة فألقها [ ق 70 أ ] في داخل النيل . فلما قدم الكتاب علي عمر وفتح البطاقة فإذا فيها : [ « من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد : فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك ، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك » ] . فألقي عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم ، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها ، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل ، وأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى ست عشر ذراعا في ليلة ، وقطع تلك السنة السوء من أهل مصر . وذكر بعضهم أن جاحلا الصدفي هو الذي قرأ بطاقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلي النيل حين [ توقف ] فجرى بإذن الله تعالى . وقال يزيد بن أبي حبيب : أن موسي عليه الصلاة والسلام دعا علي آل فرهون فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء ، فطلبوا إلي موسي أن يدعو الله ، فدعا الله رجاء أن يؤمنوا وذلك في ليلة الصليب ، فأصبحوا وقد أجري الله النيل في تلك الساعة [ ق 70 ب ] ستة عشر ذراعا فاستجاب الله لعمر بن الخطاب ، كما استجاب لنبيه موسي عليه السلام . قال القضاعي : ووجدت في رسالة منسوبة إلي الحسن بن محمد بن عبد المنعم قال : لما فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل ، فضلا عن تقاصره وأن أفرطت الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار ، وأن الاحتكار يدعوا إلى تصاعد الأسعار للقحط .
--> ( 1 ) وردت على هامش المخطوطة .